القرطبي
146
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " بدليل عدم التصرف ، وأنه ليس له أن يحج بغير إذن سيده ، كما خرج من خطاب الجمعة وهو قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة " [ الجمعة : 9 ] ( 1 ) الآية - عند عامة العلماء إلا من شذ . وكما خرج من خطاب إيجاب الشهادة ، قال الله تعالى : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " [ البقرة : 282 ] ( 2 ) فلم يدخل في ذلك العبد . وكما جاز خروج الصبي من قوله : " ولله على الناس حج البيت " وهو من الناس بدليل رفع القلم عنه . وخرجت المرأة من قوله : " يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة " وهي ممن شمله اسم الايمان ، وكذلك خروج العبد من الخطاب المذكور . وهو قول فقهاء الحجاز والعراق والشام والمغرب ، ومثلهم لا يجوز عليهم تحريف تأويل الكتاب . فإن قيل : إذا كان حاضر المسجد الحرام وأذن له سيده فلم لا يلزمه الحج ؟ قيل له : هذا سؤال على الاجماع وربما لا يعلل ذلك ، ولكن إذا ثبت هذا الحكم على الاجماع استدللنا به على أنه لا يعتد بحجه في حال الرق عن حجة الاسلام ، وقد روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أيما صبي حج ثم أدرك فعليه أن يحج حجة أخرى وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه أن يحج حجة أخرى وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى ) . قال ابن العربي . " وقد تساهل بعض علمائنا فقال : إنما لم يثبت الحج على العبد وإن أذن له السيد لأنه كان كافرا في الأصل ولم يكن حج الكافر معتدا به ، فلما ضرب عليه الرق ضربا مؤبدا لم يخاطب بالحج ، وهذا فاسد من ثلاثة أوجه فأعلموه : أحدها - أن الكفار عندنا مخاطبون بفروع الشريعة ، ولا خلاف فيه في قول مالك . الثاني : أن سائر العبادات تلزمه من صلاة وصوم مع كونه رقيقا ، ولو فعلها في حال كفره لم يعتد بها ، فوجب أن يكون الحج مثلها . الثالث - أن الكفر قد ارتفع بالاسلام فوجب ارتفاع حكمه . فتبين أن المعتمد ما ذكرناه من تقدم حقوق السيد ) . والله الموفق . الرابعة - قوله تعالى : ( من استطاع إليه سبيلا ) " من " في موضع خفض على بدل البعض من الكل ، هذا قول أكثر النحويين . وأجاز الكسائي أن يكون " من " في موضع رفع بحج ، التقدير أن يحج البيت من . وقيل هي شرط . و " استطاع " في موضع جزم ، والجواب
--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 97 . ( 2 ) راجع ج 3 ص 398 .